بعد ثلاث سنوات من العمل على نظام كوها: تجربتي في بلدين مختلفين: سوريا وماليزيا

IMG-20160317-WA0004

أستطيع القول أنني كنت محظوظاً إلى درجة كبيرة حين حصلت على فرصة ثمينة في حياتي المهنية، ألا وهي أن أعمل ضمن مجال المكتبات في بلدين مختلفين، أحدهما في الشرق الأوسط، وهو بلدي الأصلي، سوريا، والآخر في أقصى الشرق، وهي ماليزيا، وفي كلا البلدين شغلت نفس المراكز الوظيفية تقريباً، في مجال الخدمات المرجعية والفنية، قبل أن أتحول إلى قسم التزويد مؤخراً، خلال السنين المنصرمة من حياتي كفني في هذا النوع من المهن، قمت بإنجاز ما لا يمكن إحصائه من المهام المكتبية-الفنية منها والإدارية  أيضاً، مستخدماً العديد من الوسائل والأنظمة.

عندما كنت في مرحلة مشروع التخرج سنة 2011 عملت على نظام WINISIS الذي أشرفت على تطويره منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم UNISCO، كنظام خاص لإدارة أعمال الفهرسة والسجلات والبحث ضمن المكتبة فقط بشكلها التقليدي، كان ذلك النظام قد تم تطبيقه في المكتبة المركزية في جامعة دمشق حينها، وكنا نعاني كثيرا في مسائل استيراد وتصدير السجلات، ومع هذه الصعوبات نجحنا في القيام بمهمتنا على أكمل وجه. وبالنظر إلى المكتبة المركزية في جامعة دمشق من الجوانب الفنية والإدارية، كانت المكتبة تتمتع بميزانية جيدة وبتجهيزات أفضل مقارنة ببقية المراكز الثقافية والمكتبات الصغيرة والمدرسية التي لا تمتلك ميزانية مشابهة، ولا الموارد التزويدية من قبل المؤسسات العامة والخاصة والجامعية داخل البلاد أو خارجها، وهذا ما يجعل امتلاك نظام للمكتبة في مكتبات سوريا أمراً في غاية الصعوبة، فكانت المكتبات في ذلك الوقت تنظر إلى مسألة “ميكنة المكتبىة” على أنه أمر أشبه بالحلم. ولكن الواقع يقول العكس، فنظام WINISIS الذي قمنا بتنصيبه في حواسب المكتبة المركزية لم يكن نظاماً مدفوعاً بل كان نظاماً مجانياً مفتوح المصدر، كان بإمكان أي متخصص أن يقوم بتنزيل النظام من الانترنت مباشرة وتركيبه على حاسوب أمين المكتبة، وبعد ذلك تبدأ عملية إدخال البيانات، الأمر لم يكن في غاية الصعوبة من النواحي كما كانت تتصور العديد من المكتبات، أو كما كانت تُصَورُ الأمر تلك المكتبات أمام المجتمع. كان الأمر في غاية البيروقراطية، كنا نفتقد لإيجاد الكادر البشري والمؤهل لتطوير ذلك النظام، ولمتابعة مستمرة من قبل المجتمع المهتم بهذا النظام، ولإيجاد الحلول للعديد من المشكلات التي تواجهنا بشكل يومي في البحث والاسترجاع، والشمولية بحيث يغنينا النظام عن الاستعانة بأنظمة أخرى لتغطية ثغراته، وللرؤية الأكاديمية في جامعة دمشق. وهذا ما تم بالفعل سنة 2013 في مبادرة إحياء مكتبات دمشق، حينها كنت قد عملت كمدرب في قسم المكتبات في جامعة دمشق لنظام كوها لمجموعة من الطلاب الذين سيبدأون عملهم على مشروع تخرجهم في المكتبات والمراكز الثقافية في العاصمة السورية دمشق، قمت في البدأ بدراسة نظام كوها المتكامل للمكتبات كي أستطيع تدريب زملائي الأقل خبرة مني، استعملت بعضاً من معرفتي التقنية السابقة في نظام WINISIS  وكنت أظن حينها أن الموضوع أشبه بتعلم لغة برمجة جديدة، ولكن نظام كوها كان مفاجئة بحد ذاته.

أن لا تحتاج إلى الأكواد، أن لا تحتاج إلى مبرمج، أن يكون كل ما عليك كأمين مكتبة هو أن تقوم باستيراد تسجيلات مارك من نظام المكتبة القديم ودمجه في نظام كوها، أي أنك لست بحاجة إلى إعادة اختراع العجلة، كان في ذلك الوقت أمراً في غاية الأهمية خصوصاً على مستوى آلاف المجلدات والعناوين التي كان إعادة إدخالها وجعلها متماشية مع النظام الجديد تحدياً كبيراً بحد ذاته.

حينها، كان علينا في مبادرة إحياء مكتبات دمشق أن نتوجه نحو المكتبات الاقل حجماً وميزانية ودمج مجموعتهم أو إعادة إدخالها إلى نظام كوها ضمن فصلين دراسيين فقط، باستخدام عدد جيد من الطلاب الخريجين كفنيين ومفهرسين، وكانت النتائج تبعث على الشعور بالسرور البالغ.

أن تصبح مكتبات محافظتي دمشق واللاذقية مع نهاية عام 2014 تعمل بنظام كوها يجعل من بلد كسوريا واحدة من المراكز الأساسية لنظام كوها في الشرق الأوسط، على افتقارنا الشديد لإدخال كوها كنظام نموذجي في المرحلة التعليمية، فبعد أن أصبحت مكتبات العديد من الوزارات والمراكز الثقافية ومكتبات ضخمة متخصصة مثل مكتبات الكنائس ومكتبات جامعة دمشق والمكتبة المركزية في جامعة دمشق وجامعة تشرين كلها تعمل في بيئة كوها، بات من الممكن الحديث عن فهرس موحد لمكتبات سوريا يعمل على نظام كوها نتضوي ضمن قاعدة بيانات هذا النظام تسجيلات الكتب ومصادر المعلومات في كل هذه المكتبات بحيث يصبح بالإمكان السيطرة على المعرفة في سوريا، وهذا ما يحقق حتما النفع الكبير لجميع مراكز البحث العلمي والباحثين. هذا كان سيصبح نقلة نوعية في الحياة الأكاديمية في سوريا حتى قامت الأوضاع الحالية بتأجيل كل هذه الأحاديث حتى إشعار آخر.

لماذا نجح نظام كوها نجاحا مبهراً في سوريا على مستوى المكتبات الصغيرة والمتوسطة؟

إن الإجابة على هذا السؤال تطلّب منا أن ننظر إلى أهم خاصية في نظام كوها، ألا وهي بيئته مفتوحة المصدر؛ إن جميع التطبيقات والبرمجيات مفتوحة المصدر تتناسب تماماً مع الميزانية المحدودة للمراكز الثقافية والمكتبات المدرسية والمتوسطة، كل ما على المكتبة فعله هو توفير بيئة أرضية تقنية وبنية تحتية من مكونات وتجهيزات أكاد أجزم أنها موجودة في كل مكتبة: جهاز حاسب بمواصفات متوسطة ومساحة تخزينية جيدة يعمل بنظام لينوكس أبونتو (غير مهم، بالإمكان الاشتراك مع مجتمع كوها العرب في الخدمات المقدمة هنا)، وحاسوب أمين المكتبة أو المفهرس، وشبكة انترنت لتربط بين الحاسوبين. بالإضافة إلى التجهيزات، فإن مجتمع كوها حول العالم يقوم بشكل دوري ودائم بتطوير إصدارات هذا النظام، إن هذه المتابعة المستمرة لثغرات النظام تجعل منه منافساً قوياً لتلك الأنظمة التي تشرف عليها الشركات الخاصة. كما أن نظام كوها يسمح للمكتبات بأن تمتلك تسجيلات مارك الببليوغرافية والتسجيلات الاستنداية في حواسيبها، فلا شركة خاصة تسيطر أو تمنع المكتبة من استعادة التسجيلات في حال انتهاء العقد. كما أن نظام كوها لا يوفر فقط خدمات الفهرسة والتصنيف والبحث، بل إنه ينظم عمليات الاستعارة والمراسلة لمتابعة المواد المتأخرة، وإعداد التقارير المختلفة، ومتابعة أعمال التزويد، وأعمال قسم الدوريات، بل إنه يتابع إدارة جميع الخدمات التي تقدمها أي مكتبة بأي حجم، ويتكامل مع جميع التجهيزات والآلات، من أجهزة auto-checkout وطابعات الباركود. وأخيراً وليس آخراً، فإن واجهة المستخدمين OPAC التي يقدمها نظام كوها يمكن تطويعها ضمن مواقع المكتبات وإعادة تطوير الـ layout لتكون واجهة البحث نفس تصميم واجهة موقع المكتبة.

كانت آخر خبراتي في سوريا ضمن جامعة خاصة، حيث عملت في قسم الخدمات المرجعية فيها، لحسن الحظ كانت الجامعة حديثة التأسيس حين وصلت، وكانت الكتب لازالت في الصناديق وموظف المكتبة حينها قام مسبقاً بتوفير متطلبات نظام كوها، وقمنا في مطلع سنة 2014 بتنزل نظام كوها، وفهرسة المحتوى الذي بلغ حينها 1500 عنوان و 2500 مجلد، إذا كانت مكتبتكم بهذا الحجم فقط فلكم أن تعلموا أن العمل على إدخال جميع التسجيلات وتنظيم المكتبة بالكامل قد أستغرق منا شهراً واحداً فقط! وذلك لما وفره كوها من تسهيلات كثيرة، ولو كانت سوريا  لديها فهرس موحد أظن أن عملية إدخال التسجيلات ما كانت لتأخذ سوى بضعة أيام ليس إلا مع استخدام ميزة الاستيراد. لقد كانت تجربة في غاية الروعة، ويمكنني أن أصنف بلادي بأنها إحدى البلاد العربية التي تدعم استخدام نظام كوها بشدة وخصوصاً في الأونة الأخيرة.

لقد قدم نظام كوها حلاً رائعاً لمكتبات بلادي التي لا تمتلك الميزانيات الكثيرة، كنا نجلس عند نهاية كل يوم شاق من أيام الفهرسة وننظر إلى المكتبة، لقد بات بالإمكان السيطرة على كل هذا الانتاج وخدمة البحث العلمي في البلاد. لقد اقتربنا خطوة جديدة نحو المستقبل.

سفري إلى ماليزيا والعمل بها كان تحدياً عظيماً بكل معنى الكلمة، ماليزيا بلد متطور جداً خصوصاً على المستوى التقني، عندما كنت في سوريا كان من الصعب أن نجد مطوراً ماهراً في مجال المكتبات، أما هنا فالمنافسة شديدة جداً في حضور المبرمجين الأسيوين والشركات الصغيرة والعدد الكبير للمكتبات المتوسطة والمدرسية والجامعية ومكتبات المساجد والمكتبات العامة وغيرها. المكتبات في غاية التنظيم والتطور، والشعب الماليزي يقبل على القراءة واستخدام المكتبة، في بيئة ماليزية تدعم التعليم والمؤسسات التعليمية وتخلق كل الظروف الممتازة لإنتاج باحث علمي ينافس في المحيط الذي يتطور بسرعة رهيبة.

كنت أنظر إلى أبناء الاختصاص والزملاء من أمناء مكتبات ماليزيا وهم يتحدثون عن أنظمة إدارة المكتبات، هنا في جنوب شرق آسيا، الميزانيات التي يتم توفيرها للمكتبات تعتبر مقبولة نوعاً ما، وهي تساعد المكتبات في اقتناء المصادر والمنافسة فيما بينها في هذا الأمر، وبالتالي فإن السيطرة على المعرفة هنا يعد تحدياً من أعظم التحديات التي تواجه مجتمع أمناء المكتبات. أما جامعتي التي أعمل بها فلم تكن بمنئاً عن هذا التحدي. علمت مسبقاً أن جامعتي تستخدم نظام كوها لإدارة المكتبة، حيث الاقتناء المتواصل للمصادر يجعل أرقام التسجيلات وإحصائياتها في تطور مستمر. جامعتي التي كانت قد وقعت على اتفاقية تعاون مع الفهرس العربي الموحد لاستجرار التسجيلات العربية وضمها إلى الفهرس، هذا كان بالنسبة للكتب العربية، أما الكتب العالمية فكنا لا نجد أي صعوبة في استخدام بورتوكول Z39.50 لاستيراد التسجيلات من فهارس المكتبات العالمية، حيث يوفر نظام كوها الكثير من الوقت على زملائنا في قسم الخدمة العمليات الفنية.

أول مجيئي، عملت في قسم الخدمات المرجعية، ولاحظت كيف وفر نظام كوها لنا القدرة الرائعة على إعداد قوائم المراجع للطلاب والباحثين ومن ثم طبع هذه القوائم، كما كانت عملية البحث عن المصادر والمراجع في غاية التنظيم والدقة، لم يكن نظام كوها مجرد نظام يبحث في الكلمة الإنجليزية، إذا استفندنا كثيراً من المتابعات والتحديثات التي قام بها مجتمع “كوها العرب” لجعل نظام كوها قادراً على البحث في الكلمة العربية، وهو أمر سابق لم تصل له بعد الكثير من أنظمة المكتبات المدفوعة، حيث يقوم النظام ببتر الحروف الملحقة بالكلمة مثل (ال) التعريف وغيرها، فلا مشكلة هنا تصادفنا في الخدمة المرجعية عند البحث عن أي مصدر.

انتقلت بعد فترة للعمل في قسم التزويد، كنت أظن بأن انتقالي هذا من العمل في الخدمة المرجعية والعمليات الفنية سيكون نهاية عهدي بنظام كوها، لأجد نفسي أعمل مع نظام كوها مجدداً، إذا تعدى نظام كوها مفهوم نظام إدارة المكتبات البسيط المتخصص في البحث والاسترجاع والفهرسة، ليجد نفسه في قسم التزويد وإدارة ميزانية المكتبة وأعمال الشراء، هكذا بمنتهى البساطة، كان من السهل بمكان إنشاء دليل خاص بالموردين، إدخال بيانات طلبية الشراء وقيمتها، وإعداد التقارير عن كل طلبية وموعد تسليمها والعديد من الإجراءات المختلفة في أعمال التزويد.

لربما لست مؤهلاً لتقييّم نظام كوها، فهذا النظام المميز يحتاج إلى الكثير من الكتابة وإسالة الحبر حوله وحول خدماته، ولكنني وجدت نفسي حائراً أمام حقيقة أن نظام كوها هو نظام متكامل بكل ما للكلمة من معنى، نعم لم أعمل في مكتبات ضخمة كالمكتبات الوطنية أو العامة لأتحدث عن إمكانيات النظام في خدمات تلك المكتبات، ولكنني لم أجد مكتبة صغيرة أو متوسطة أو حتى فوق متوسطة وذات اختصاصات عامة قد قصّر نظام كوها في تغطية احتياجاتها بالكامل، أو لاحظت وجود مشكلات تقنية أو فنية أو إدارية في نظام كوها ولم تستطع حلها في مجتمع “كوها العرب”، خبرتي مع نظام كوها تجعلني أوصي به لكل مكتبة لا تزال تعاني من الميزيانية القليلة والكادر غير المتخصص في المجال التقني، فهي حتماً ستجد كل الحلول لكل هذه المشكلات في نظام كوها المتميز.

يعمل في مجال المكتبات الجامعية منذ عام 2011 يشغل حالياً رئيساً لقسم التزويد في جامعة المدينة العالمية في ماليزيا لديه الكثير من الأفكار حول تطوير عالم المكتبات وإيجاد الحلول الإدارية لمشكلات المكتبات الجامعية ومراكز المعلومات المتخصصة.

شارك المنشور مع أصدقائك :

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

6 ردود على “بعد ثلاث سنوات من العمل على نظام كوها: تجربتي في بلدين مختلفين: سوريا وماليزيا”

    1. من الممكن ان تبدئى بالدليل الخاص بالمستخدم للتعرفى على استخدامات النظام والميدبول الخاص بة
      من اعارة وفهرسة وتزويد وادارة

  1. السلام ورحمة الله وبركاته أريد أن أسأل الأخ فهد الكردي الذي يشغل حالياً رئيساً لقسم التزويد في جامعة المدينة العالمية في ماليزيا هل له معلومات عن نظام سليمز 7 Slims Library Opensource Software ومدى جدواه خاصة إذا ما قارناه بنظام كوها

  2. السلام ورحمة الله وبركاته أريد أن أسأل الأخ فهد الكردي الذي يشغل حالياً رئيساً لقسم التزويد في جامعة المدينة العالمية في ماليزيا هل له معلومات عن نظام سليمز 7 Slims Library Opensource Software ومدى جدواه خاصة إذا ما قارناه بنظام كوها

اترك رداً